موقع الحضارات الستة في طريقه لاستعادة مكانته العالمية

لقاء: أمال رمضاني

الزائر لمتحف هيبون تشده تماثيل الأباطرة الرومان ولوحات الفسيفساء النادرة التي تعبر عن البنية الثقافية بأبعادها الثقافية والفنية، والتاريخية لمدينة عنابة الضاربة في عصور ما قبل التاريخ، حيث كانت مدينة « هيبون » محطة هامة لحضارات عديدة، ويعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الـ 12 قبل الميلاد، وقد أنشـأها الفينيقيون، وأطلقـوا عليها اسـم « هيبون »، وكانــت من أهم المواني الفينيقية في تلك الفترة، ونظرا لموقعها الاستراتيجي، سيطر عليها الرومان، وأطلقـوا عليها اسم « هيبوريجيــوس » التي تعني « هيبون الملكية ».

وفي القرون الثلاثة الأولى قبل الميلاد كانت « هيبو » من أغنى مدن الإمبراطورية الرومانية، ومركــزا مهمـا للفكـر المسـيحي، خاصـة علــى يــد القديس « أوغســطين » الذي يعد من أكبر مفكري المســيحية،  وأصبح أسقفا لـ « هيبون » منذ عام 396 ميلادي، وبعد أن خضعت لحكم الوندال والبيزنطيين، فتحها العرب المســلمون عــام 697، وقد ســماها العرب عنابة نسبة لأشجار العناب، المنتشرة بالمنطقة.

في هذا اللقاء يتحدث منسق المتاحف والمعالم الأثرية بالشرق الجزائري ومدير متحف « هيبون » الأثري بعنابة عمارة نوارة، عن مكانة الآثار والتراث وأهميتها ودورها الهام في تشكيل هوية المواطن وانتمائه إلى تاريخه وحضارته، وعن متحف هيبون الذي يعكف على التخطيط لإعادة الاعتبار له وبعث الحياة في هذا الصرح الحضاري، لإحداث – كما يقول – نقلة نوعية في نظرة الناس للآثار والتراث بهذه المدينة الأثرية الخالدة، وترسيخ معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن، خصوصا أنّ مدينة « هيبون » الأثرية التي شيدها عباقرة القرن الثالث ميلادي كانت ولا تزال شاهدة على  تقاطع الحضارات عبر العصور، وكان لها حضورها المؤثر في الثقافة والعلوم على مر التاريخ.

سحر مدينة « هيبون » الأثرية مسجل في التراث العالمي

لفت مدير متحف « هيبون » بعنابة عمارة نوارة، إلى أنّ سحر هذه  المدينة الأثرية مسجل في التراث العالمي، على اعتبار أنها  تضم معالم لازالت شاهدة على مختلف الحقبات التاريخية التي مرت بها المدينة، حيث يتربع هذا الموقع التاريخي الذي تعاقبت عليه الحضارات النوميدية، الفينيقية، الرومانية، الوندالية، البيزنطية، والإسلامية على مساحة 60 هكتارا، وتختزن أرضه إرثا ثقافيا هاما لم يكشف الكثير منه لحد الساعة، فالموقع مازال منطقة عذراء اكتشف منها 25 هكتارا فقط.

خارطة عمل للرّقي بالقيمة التاريخية والحضارية لموقع « هيبون »

من جانب أخر أكّد مدير متحف « هيبون » أنّ مصالحه تعمل بالتنسيق مع القطاعات المعنية، لإيجاد سبل ناجعة لترقية وتنشيط السياحة في هذه المواقع الأثرية من خلال ترميم هذا المعلم دون الإضرار به أو  تغييب ملامحه،  وإعادة تأهيل موقع آثار الحمامات الرومانية لهيبون التي تعرف باسم « حمامات الشمال »، وفضاء المسرح الروماني و »الفوروم » الروماني، بالإضافة إلى آثار مباني رومانية على غرار « فيلا مينوتور »، كما يشهد الموقع الأثري دوريا أشغال تنظيف وإزالة الأتربة المتراكمة وقلع الأعشاب بالإضافة، وتخصيص فرق للأمن والحراسة، وبلغ عدد الحراس العاملين بهذا الموقع الأثري 67 حارسا تمت رسكلتهم من قبل مصالح الأمن وتجهيزهم بأحدث التجهيزات، كما تم تحديث مكتبة المتحف وتزويدها بمراجع تاريخية جد مهمة، وجاءت فيما بعد عملية الترويج له من قبل جمعيات محلية ناشطة  كجمعية « عنابة تقرأ »، وجمعية « أصدقاء المتحف »، ومن هذا المنطلق أكّد مدير متحف « هيبون » عمار نوارة، أنه وفريقه عمله يعملون بكامل طاقتهم ومجهوداتهم لإعادة المنطقة الأثرية إلى مشهدها ورونقها القديم، الذي تكتظ به آلاف الأفواج من السياح، للاستمتاع بكل مشهد جمالي وأثرى وطبيعي بداخله، ونوّه بالمناظر الساحرة التي تملكها هذه المنطقة الأثرية، وتفتقر إليها مناطق كثيرة على المستويين الوطني والعالمي، ما يتطلب عملا كبيرا من أجل بعث حياة سياحية فيها من خلال فتح الموقع للزيارات العامة للسياح المحليين والأجانب.

مساع حثيثة لإعادة بعث الأبحاث الأثرية عن طريق الترويج العلمي

مدير متحف « هيبون » عمارة نوارة قال أيضا، إنّ الترويج للبحث العلمي لإعادة بعث الأبحاث الأثرية في عنابة يعتبر ضعيفا جدا، فولاية عنابة لم تشهد أي بحث علمي أكاديمي في هذا الموقع الأثري منذ ذهاب الفرنسيين سنة 1962، وفي هذا الصدد فإنّ إدارة المتحف تسعى إلى تفعيل هذا العنصر المهمّ، باستدعاء المهتمين من مختلف جامعات القطر الجزائري للقيام بأبحاث علمية وأكاديمية في هذا الموقع الأثري الهام، وبالفعل تم تحقيق هذه الأهداف أين تم استقبال المعهد الوطني للآثار ممثلا لجامعة الجزائر، ومنه بدأت الوفود الجامعية تنظم زيارات استكشافية للمنطقة الأثرية، كما ساهمت جامعة باجي مختار كثيرا في الترويج لهذا المنتوج الثقافي والتاريخي، حيث تم تسجيل 10 مشاريع رسائل « ماستير »، إلى جانب 7 مشاريع بحث علمي أكاديمي من قسم الآثار بجامعة قالمة، بالإضافة إلى أبحاث من جامعات قسنطينة، معسكر، والشلف، بالإضافة إلى إعداد رسائل « دكتوراه »، ومنذ ذلك التاريخ دبت الحياة من جديد في هذا الموقع الأثري الذي بات اليوم يعج بالسياح من داخل وخارج الوطن.

متحف « هيبون ».. الحضن الفسيح للسياح من كل أنحاء العالم

تعد مدينة « هيبون » الأثرية ومتحف « هيبون » على وجه الخصوص، مصدر جذب للأفواج السياحية التي تتوافد على المدينة للاستمتاع بتاريخها الثقافي المتنامي، ويبقى هذا الموقع الأثري المهم شاهدا على حقبة مهمة من تاريخ عميق لمدينة لطالما جذبت شعوبا مختلفة تمازجت فيها الحضارات والأجناس، يفتح ذراعيه لزواره ومحبيه عبر كل الفصول، ويقدم فسحة لمحبي السياحة الثقافية، ويحتوي المتحف على مجموعة من الآثار، منها تماثيل وأواني فضية ونحاسية ولوحات من الفسيفساء لمختلف الحقبات التاريخية التي مرت عليها المدينة، ففي قاعة التماثيل يتربّع « باكوس » إله الخمر، « فينوس » إله الجمال وإله الحكمة عند الرومان وآلهة أخرى ترجع بنا إلى القرون الميلادية الأولى، كما تزين جدار المتحف بفسيفساء عن إله البحر والمحيطات وفسيفساء أخرى في القاعة من القرن الرابع ميلادي، تروي قصة سيدنا نوح عليه السلام والحيوانات التي رحلت معه في السفينة كالغزالة والثور.. كما نجد نصبا تذكاريا لبذلة حربية مصنوعة بالبرونز تنسب إلى الملك « يوليوس »، ويكشف المتحف في مجمله عن شعاع حضاري وذوق فني مميزلـ 6 حضارات متعاقبة، وعلى مدار السنة يفتح المتحف أبوابه، للسياح من إيطاليا، فرنسا، أمريكا، أستراليا، إسبانيا، ومن الصين، كوريا الجنوبية، اليابان، أوكرانيا وبولونيا، وأصبح اليوم المتحف يستقطب أكثر من 100 زائر شهريا.